محمد متولي الشعراوي
9466
تفسير الشعراوي
ماذا تنتظرون إلا إحدى الحُسْنيين : إما أن نموت في قتالكم شهداء ، أو ننتصر عليكم ونُذِلكم ، فأيُّ تربُّص يحدث شرف لنا ، إما النصر أو الشهادة ، فكلاهما حُسنْى ، ونحن نتربّص بكم أنْ يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ، فكلاهما سوءة . وما دام الأمر كذلك فتربَّصُوا بنا كما تحبون ، ونحن نتربص بكم كما نريد ؛ لأن تربصنا بكم يفرحنا ، وتربصكم بنا يُؤلمكم ويُحزنكم . ومعنى { قُلْ } [ طه : 135 ] هنا أن القول { كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ } [ طه : 135 ] ليست من عند محمد ، فليس في يده زمام الكون ولا يعلم الغيب ، فهو قَوْل الله الذي قال له ( قل ) يا محمد { كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ } [ طه : 135 ] . إذن : قيلتْ مِمَّن يملك أَزمّة الأمور وأعنّتها ، ولا يخرج شيء عن مراده تعالى ، وربما لو قُلْت لكم من عندي تقولون : كلام بشر لا يملك من الأمور شيئاً . إذن : خذوها لا بمقياس كلام البشر ، إنما بمقياس مَنْ يملك زمام أقْضية البشر كلها . ثم يقول تعالى : { فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصراط السوي وَمَنِ اهتدى } [ طه : 135 ] متى سيحدث هذا ؟ ساعةَ تقوم الساعة حيث الانصراف ، إما إلى جنة ، وإما إلى نار ، ساعتها ستعلمون مَنْ أصحاب الصراط السوي : نحن أمْ أنتم ؟ لكنه سيكون عِلْماً لا ينفع ولا يُجدي ، فقد جاء بعد فوات الأوان ، جاء وقت الحساب لا وقت العمل وتلافي الأخطاء . إنه عِلْم لا يترتب عليه عمل ينجيكم ، فقد انتهى وقت العمل ، وهكذا يكون عِلْماً يُزيد حسرتهم ، ويُؤذيهم ولا ينفعهم .